محمد متولي الشعراوي
1433
تفسير الشعراوى
العبد » يعنى ينصرف دون قيد عليه . أو « حررت الكتاب » أصلحت ما فيه . إن تحرير أي أمر ، هو إصلاح ما فيه من فساد أو إطلافه من أي ارتباط أو قيد . أما قولها : « رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً » هو مناجاة للّه ، فما الدافع إلى هذه المناجاة للّه ؟ إن امرأة عمران موجودة في بيئة ترى الناس تعتز بأولادها ، وأولاد الناس - كما نعلم - يحكمون حركة الناس ، والناس تحكم حركة أولادهم ، ويكد الناس من أجل أن يكون الأبناء عزوة ، وقرة عين ، ويتقدم المجتمع بذلك التواصل المادي ، ولم تعجب امرأة عمران بذلك ؛ لقد أرادت ما في بطنها محررا من كل ذلك ، إنها تريده محررا منها ، وهي محررة منه . وهذا يعنى أنها ترغب في أن يكون ما في بطنها غير مرتبط بشئ أو بحب أو برعاية . لماذا ؟ لأن الإنسان مهما وصل إلى مرتبة اليقين ، فإن المسائل التي تتصل بالناس وبه ، تمر عليه ، وتشغله ، لذلك أرادت امرأة عمران أن يكون ما في بطنها محررا من كل ذلك ، وقد يقال : إن امرأة عمران إنما تتحكم بهذا النذر في ذات إنسانية كذاتها ، ونرد على ذلك بما يلي : لقد كانوا قديما عندما ينذرون ابنا للبيت المقدس فهذا النذر يستمر ما دامت لهم الولاية عليه ، ويظل كما أرادو إلى أن يبلغ سن الرشد ، وعند بلوغ سن الرشد فإن للابن أن يختار بين أن يظل كما أراد والداه أو أن يحيا حياته كما يريد . إن بلوغ سن الرشد هو اعتراف بذاتية الإنسان في اتخاذ القرار المناسب لحياته . كانت امرأة عمران لا تريد مما في بطنها أن يكون قرة عين ، أو أن يكون معها ، إنها تريده محررا لخدمة البيت المقدس ، وكان يستلزم ذلك في التصور البشرى أن يكون المولود ذكرا ؛ لأن الذي كان يقوم بخدمة البيت هم الذكران . ونحن نعرف أن كلمة « الولد » يطلق أيضا على البنت ، ولكن الاستعمال الشائع ، هو أن يطلق الناس كلمة « ولد » على الذكر . لكن معنى الولد لغويا هو المولود سواء أكان ذكرا أم أنثى . وعندما نسمع كلمة « نذر » فلنفهم أنها أمر أريد به الطاعة فوق تكليف المكلف من جنس ما كلّفه به اللّه .